ابن عجيبة

146

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( وأزلفت ) : عطف على ( ينفع ) ، وصيغة الماضي فيها وفيما بعدها ؛ لتحقق الوقوع . يقول الحق جل جلاله ، في شأن اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون : وَأُزْلِفَتِ أي : قربت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ، أي : تزلف من موقف السعداء ، فينظرون إليها ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ : أظهرت ، حتى يكاد يأخذهم لهبها ، لِلْغاوِينَ : للكافرين ، وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ بدفع العذاب عنكم ، أَوْ يَنْتَصِرُونَ بدفعه عن أنفسهم ، يوبّخون على إشراكهم ، فيقال لهم : أين آلهتكم التي عبدتموها ، هل ينفعونكم اليوم بنصرتهم لكم ؟ أو : هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لها ؟ كلا ، بل هم وآلهتهم وقود النار ، كما قال تعالى : فَكُبْكِبُوا فِيها أي : ألقوا في الجحيم على وجوههم ، مرة بعد أخرى ، إلى أن يستقروا في قعرها . وفي القاموس : كبّه : قلبه وصرعه ، كأكبه وكبكبه . ه . أي : صرعوا ؛ منكبين في الجحيم على وجوههم ، هُمْ أي : آلهتهم وَالْغاوُونَ أي : الذين كانوا يعبدونهم . وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم مؤخّرون عنها في الكبكبة ؛ ليشاهدوا سوء حالها ، فيزدادوا غما على غم ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أي : يكبكبون معهم أَجْمَعُونَ ، وهم شياطينه الذين كانوا يقوونهم ويوسوسونهم ، ويسوّلون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام ، وسائر فنون الكفر والمعاصي ، أو : متبعوه من عصاة الجن والإنس ؛ ليجتمعوا في العذاب ، حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه . قالُوا أي : العبدة وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ أي : قالوا معترفين بخطائهم في انهماكهم في الضلالة ؛ متحسرين ، والحال : أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين ، فيجوز أن ينطق اللّه الأصنام ، حتى يصح منها التخاصم والتقاول ، ويجوز أن يجرى ذلك بين العصاة والشياطين . قالوا : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي : إن الشأن كنا في ضلال واضح ، لا خفاء فيه ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ ؛ نعدلكم بِرَبِّ الْعالَمِينَ فنعبدكم معه ، أي : تاللّه لقد كنا في ضلال فاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام ، في استحقاق العبادة ، برب العالمين ، الذي أنتم أدنى مخلوقاته ، وأذلهم وأعجزهم ، وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ أي :